صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

146

تفسير القرآن الكريم

السلوب والتقاديس ، كقوله تعالى بعد ما ختم سورة الواقعة بالأمر بالتسبيح . سَبَّحَ لِلَّهِ - أي : نزّهه وقدّسه عما لا يليق بشأنه مما يوجب التكثر والتغيّر ، وبرّئه من كل نقص - ما في السماوات والأرض . وَهُوَ الْعَزِيزُ - في ذاته - والحكيم - في أفعاله لكونها على أحكم ترتيب وأتقن نظام . والصيغة تدل هاهنا على أن ما أسند اليه الفعل ذلك هجيّراه وديدنه ، ويؤكد ذلك مجيئه على صيغة المضارع أيضا في بعض الفواتح وهذا الفعل يتعدى باللام تارة وبنفسه أخرى ، وأصله الثاني ، لأنه المنقول من سبّح إذا ذهب وبعد . فمعنى سبحته بعدّته عن الشين . فاللام فيه إما أن يكون كاللام في « نصحته » و « نصحت له » . أو يكون معنى الكلام : أحدث التسبيح ابتغاء لوجه اللّه خاصة ما فيهما . قال مقاتل : يعني كل شيء من ذي الروح وغيره وكل خلق فيهما . ولعل الغرض إن العقلاء يسبحونه قولا واعتقادا وما ليس بعاقل من سائر الحيوانات والجمادات فيسبحه بما فيه من الأدلة الدالة على وحدانية مبدعة وصفاته التي تخصّه ، فعبّر سبحانه عن هذه الدلالة بالتسبيح كأنها إقرار منهم بلسان الحال من جهة إمكانها وحدوثها على الصانع القديم الواجب لذاته . ويجوز أن يحمل التسبيح على المشترك بين اللفظ والدلالة لإسناده إلى ما يتصور منه ، وعليهما عند من جوّز اطلاق اللفظ على معنييه وجوز بعضهم أن يكون « ما » هاهنا بمعنى « من » ويؤيده ما حكى أبو زيد إن الحجازيين كانوا إذا سمعوا الرعد قالوا : « سبحان ما سبّحت له » 8 وقيل : المراد منه كل ما يتأتّى منه التسبيح . هذا تمام كلام الأعلام في هذا المقام ، ولا يخفى عدم ملائمة كل من التأويل والتخصيص المستفاد من كلامهم لكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الدالة على تسبيح جميع الموجودات حقيقة - حتى المسمى بالجماد والنبات .